أبي بكر جابر الجزائري
324
ايسر التفاسير لكلام العلى الكبير
قريش ، وقوله لا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ من الجائز أن يكونوا اليهود أو المجوس أو المنافقين ، وأن يكونوا الجن أيضا ، وما دام اللّه عزّ وجل لم يسمهم فلا يجوز أن يقال هم كذا . . بصيغة الجزم ، غير أنا نعلم أن أعداء المسلمين كل أهل الأرض من أهل الشرك والكفر من الإنس والجن ، وقوله تعالى وَما تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ إخبار منه تعالى أن ما ينفقه المسلمون من نفقة قلت أو كثرت في سبيل اللّه التي هي الجهاد يوفّيهم اللّه تعالى إياها كاملة ولا ينقصهم منها شيئا فجملة وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ جملة خالية ومعناها لا يظلمكم اللّه تعالى بنقص ثواب نفقاتكم في سبيله هذا ما دلت عليه الآية الأولى ( 60 ) أما الآية الثانية وهي قوله تعالى وَإِنْ « 1 » جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَها وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ فإن اللّه تعالى يأمر رسوله وهو قائد الجهاد يومئذ بقبول السلم متى طلبها « 2 » أعداؤه ومالوا إليها ورغبوا بصدق فيها ، لأنه صلّى اللّه عليه وسلّم رسول رحمة لا رسول عذاب وأمره أن يتوكل على اللّه في ذلك أي يطيعه في قبول السلم ويفوض أمره إليه ويعتمد عليه فإنه تعالى يكفيه شرّ أعدائه لأنه سميع لأقوالهم عليم بأفعالهم وأحوالهم لا يخفى عليه من أمرهم شيء فلذا سوف يكفي رسوله شر خداعهم إن أرادوا خداعه بطلب السلم والمسالمة ، وهذا معنى قوله تعالى في الآيتين ( 62 ) و ( 63 ) وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ أي بالميل إلى السلم والجنوح « 3 » إليها فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ أي كافيك إنه هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ أي في بدر وَبِالْمُؤْمِنِينَ وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ أي جمع بين تلك القلوب المتنافرة المنطوية على الإحن والعداوات ولأقل الأسباب وأتفهها ، لقد كان الأنصار يعيشون على عداوة عظيمة فيما بينهم حتى إن حربا وقعت بينهم مائة وعشرين سنة فلما دخلوا في الإسلام اصطلحوا وزالت كل آثار العداوة والبغضاء وأصبحوا جسما واحدا من فعل هذا سوى اللّه تعالى ؟ اللهم لا أحد ، ولذا قال تعالى لرسوله لَوْ أَنْفَقْتَ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً أي من مال
--> ( 1 ) جَنَحُوا : مالوا ، والجنوح : الميل أي : إذا مالوا إلى المسالمة التي هي الصلح فمل إليها ، اختلف هل هذه الآية منسوخة بآية : فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ والصحيح ، والذي به العمل أن الآية محكمة غير منسوخة ، وأنّ المسلمين إذا كانوا في حالة ضعف يحتاجون فيها إلى تقوية بعقد هدنة أو مصالحة لدفع ضرر أو تحصيل نفع ظاهر وهم في حاجة إلى ذلك فإن لهم أن يجنحوا للسلم وإن كانوا أقوياء قادرين فلا يحلّ لهم إلّا إنفاذ أمر اللّه تعالى بقتال العدو حتى يسلم أو يستسلم لحكم الإسلام . ( 2 ) السلم : مؤنثه ولذا عاد الضمير إليها مؤنثا في قوله : فَاجْنَحْ لَها . ( 3 ) وهم يضمرون في نفوسهم نية الغدر بك والمكر ليخدعوك بذلك فامض في صلحك واللّه حسبك .